محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ائتلاقًا ، خِصِّيصَى من الله له بها دون سائر رسله ( 1 ) - الذين قهرتهم الجبابرة ، واستذلَّتهم الأمم الفاجرة ، فتعفَّتْ بعدهم منهم الآثار ، وأخملت ذكرهم الليالي والأيام - ودون من كان منهم مُرْسلا إلى أمة دون أمة ، وخاصّة دون عامةٍ ، وجماعة دون كافَّة . فالحمدُ لله الذي كرمنا بتصديقه ، وشرّفنا باتِّباعه ، وجعلنا من أهل الإقرار والإيمان به وبما دعا إليه وجاء به ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أزكى صلواته ، وأفضلَ سلامه ، وأتمَّ تحياته . ثم أما بعد ( 2 ) فإنّ من جسيم ما خصّ الله به أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الفضيلة ، وشرَّفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظَه ما حفظ عليهم - جلّ ذكره وتقدست أسماؤه - من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامةً واضحة ، وحجةً بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفترٍ ، وفصَل به بينهم وبين كل جاحد ومُلحِد ، وفرَق به بينهم وبين كل كافر ومشرك ؛ الذي لو اجتمع جميعُ من بين أقطارها ، من جِنِّها وإنسها وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ( 3 ) . فجعله لهم في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا ، وفي سُدَف الشُّبَه شهابًا لامعًا ( 4 ) وفي مضَلة المسالك دليلا هاديًا ، وإلى سبل النجاة والحق حاديًا ، { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ سورة المائدة : 16 ] . حرسه بعين
--> ( 1 ) في المطبوع : " تخصيصًا " ، وهو تصرف من الطابعين . خصه بالشيء يخصه خصا وخصوصية ( بفتح الخاء وضمها ) وخصيصى : أفرده به دون غيره . ( 2 ) حذف الطابعون قوله : " ثم " ، ليجعلوا كلام الطبري دارجًا على ما ألفوا من الكلام . ( 3 ) يضمن ما جاء في سورة البقرة : 23 ، ويونس : 38 ، والإسراء : 88 . ( 4 ) السدف : جمع سدفة ، وهي ظلمة الليل يخالطها بعض الضوء ، تكون في أول الليل وآخره ، ما بين الظلمة إلى الشفق ، وما بين الفجر إلى الصلاة .